أخبــارثقافة وفنـون

شيء من سيرة حسن ظافر بركان                                                 

أحد الآباء المؤسسين لدولة ليبيا الحديثة 

تقرير: دعاء المختار  العامري

في بلد شيخ الشهداء عمر المختار، وفي وطن خاض أبناؤه المعارك فداء له ونصرة للحق، في عشرينيات القرن الماضي، لم تكن المعارك التي على الأرض السبيل الوحيد لنصرة الوطن، فقد كان الجهاد بالعلم أحد سبلها، وفي هذا التقرير سنخوض في أحد أعلامها.

في رمال صحراء الجنوب الليبية تبدأ القصة، في مدينة مُرزق التي سميت مَرزق بفتح الميم نسبة لكونها مكان رزق، ومحطة عبور بين قوافل التجارة القادمة من  أفريقيا، في مدينة تجمع بين الأدب والفن والأصالة والتراث.

الراحل حسن ظافر بركان رحمه الله

كانت مرزق في ذلك الوقت تابعة للمستعمرات الايطالية. في أحد بيوتها وُلد “حسن الظافر بركان” عام 1923 ميلادية، ابنًا لإحدى عائلات مرزق العريقة، التي اشتهرت بالتجارة حينها. فهو ابن السيد عبد الرحمن الشريف السنوسي بركان.

حياته العلمية

درس في المدرسة الإيطالية، وتحصل على شهادتها الثالثة ابتدائية المسموح بها في المستعمرات حينها، ثم تعلم على يد جده الحاج بشير زايد، وختم الختمة الأولى.

انتقل إلى طرابلس، وختم القرآن برواية ورش، وقالون، ورسم أبو عمرو الداني، وحفظ بعض المتون في الفقه واللغة العربية، على يد شيخه مختار حورية.

أكمل دراسته في مدرسة أحمد باشا، التي كانت تدرس علوم الدين، واللغة العربية على المنهج الأزهري، وتحصل على شهادتها، كما تعلم ثلاث لغات هي الايطالية والفرنسية والانجليزية.

سوق مرزق القديم، ويظهر في الصورة جنديان إيطاليان

في حقبة الاحتلال الفرنسي عام 1942 عاد إلى مرزق، وعمل في التجارة وعلم القرآن في جامع الذّكر، وكان أحد المدرسين الذين علموا تلاميذهم التلاوة على رواية قالون وبرسم أبي عمرو الداني.

بعد تأسيس المدرسة الفرنسية في المدينة، عمل فيها كمدرس للغة العربية، والعلوم الاسلامية، ولكن نتيجة لانضمامه للحملة الوطنية المناوئة للاحتلال الفرنسي، تم منعه من التدريس.

استمر السيد حسن في إعطاء دروسه، فقد كان يتلقى من والده السيد عبد الرحمن بركان – رحمه الله – المجلة الأزهرية التي تتناول أمور الفقه وفتاوى شيوخ الأزهر، ومواضيع تتحدث عن مختلف المواضيع الاجتماعية في ضوء الشريعة الإسلامية، وكان يناقش هذه المواضيع مع طلبته، من باب التثقيف الديني في منزله، ونجحوا في ذلك عن طريق  تهريب الكتب والمجلات الازهرية في ســلال  التمر، حتى لا ينتبه الجواسيس، بأن الموجودون في المنزل هم طالبو علم، ومن سوء الحظ تم تهديده ومنعه أيضاً من التدريس في منزله، ولكن هذا لم يثن من عزمه، واستمر في تعليم وإرشاد طلبته الذين كانوا يرافقونه في الطريق العام، وكان يجيب على تساؤلاتهم واستفساراتهم شفوياً في طريق عودته من عمله كتاجر.

علاقاته السياسية

قبل العام 1948 كان الليبيون يحاولون الحصول على الاستقلال، نظرًا لما تعانيه البلاد من قهر وظلم الاستعمار، وبدأت حركة تدعى حزب المؤتمر الوطني في طرابلس بقيادة المجاهد “بشير السعداوي” تناضل سياسيًا من أجل هذا الهدف، وكان لهم علاقات مع الوطنيين في سائر المدن الليبية.

حسن بركان الأول من اليسار وقوفًا .. وعلى يساره سيف النصر عبد الجليل رئيس المجلس التنفيذي لولاية فزان، يليه والي فزان عمر بك سيف النصر، وفي أقصى اليمين محمد المهدي القاضي مسؤول في الشرطة

كان حسن بركان من ضمن أعضاء هذه لحركة السرية في مرزق، وفي عام 1948 جاءت لجنة من الأمم المتحدة لمعرفة رأي المواطنين في الاستقلال، وخلال جولتها في الجنوب الليبي، علم الوطنيون بأن هذه اللجنة متوجهة إلى مجموعة أخرى من الليبيين غير الموافقين على استقلال ليبيا، ويريدون بقاء المستعمر اعتقادًا منهم بأن الليبيين لا يملكون  الخبرة الإدارية التي تمكنهم من إقامة دولة مستقلة، فتقدم أحد الوطنيين، وهو السيد  محمد المهدي مصطفى، واعترض سيارات اللجنة في الطريق، وأخبرهم بأن الوطنيين ينتظرونهم في منزل السيد حسن في مدينة مرزق، فلبوا دعوته، وبناء على ذلك نقلت اللجنة رغبة الوطنيين بالاستقلال إلى هيئة الأمم المتحدة، وتم التصويت لصالح قيام الدولة الليبية المستقلة بفارق صوت واحد، الذي أدلى به  مندوب دولة هاييتي آنذاك.

وتم صياغة الدستور وتأسيس دولة ملكية شكلها اتحادي، ونظامها نيابي، تنقسم إلى ثلاث ولايات، هي طرابلس وبرقة وفزان.

الوظائف التي شغلها في الدولة

بعد أن رشح من قبل مواطني منطقة مرزق كعضو بالمجلس التشريعي، عمل سكرتيرًا، وكان أصغر الأعضاء سنًا، ومن خلال  نشاطه وجده في عمله، تم اختياره من قبل حكومة الولاية كناظر للمالية، والاقتصاد، ثم بعد ذلك عين ناظراً للمعارف.

وفي حكومة محمد عثمان الصيد عام 1960 عين وزيرًا للدعاية والنشر التي سميت لاحقًا بوزارة الإعلام والثقافة، ثم عين في حكومة محمود المنتصر وزيرًا للاقتصاد.

وفي عام 1965 عين سفيرًا لليبيا بتونس، بعدها تقاعد وتوقف عن العمل الرسمي.

بعد تقاعده عمل في مجال المقاولات، ونفذ عدة مشروعات للدولة، كالطرق والمدارس والمشاريع الزراعية.

وبعد الزحف على شركته من قبل النظام السابق، عمل في إدارة الأوقاف كمفتش لمادة القرآن الكريم، وقد توفاه الله في العام 2004.

مواقفه على لسان أحبائه

كان حسن بركان شغوفًا بالعلم والدعوة له، فعند استلامه دور ناظر في وزارة المعارف، حرص على تأسيس المدارس في القرى والأماكن البعيدة، مع تقديم  منحة ثلاثة دنانير لتشجيع الطلبة على التعلم، فقد ذكر صديقه وابن خاله السيد إبراهيم السنوسي بشير، أحد أعيان مرزق موقف من المواقف التي حدثت مع السيد  حسن أثناء إرساله الرسل لأصحاب الأملاك وإخبارهم عن بداية العام الدراسي، وحثهم على السماح للعاملين لديهم بالذهاب إلى المدرسة والتعلم، فاخبره أحد المالكين متهكمًا: ” تبي الخدم يتعلموا في المدرسة !! احني بعدين من يخدمنا ؟

فرد عليه قائلاً: “يتعلموا أحسن فبالعلم يبنى الوطن.”  وهذا يذكرنا بقول الشاعر أحمد شوقي:

بالعلم والمال يبني الناس مجدُهُمُ .. لم يبن مجد على  جهل وإقلال

السيد حسن بركان مع عدد من الوزراء

كان السيد حسن سابقاً لعصره، رحمه الله، صاحب نظرة مستقبلية وعقل متفتح  حكيم  فقد قال ابنه المهندس محمد بركان عند استلامه نظارة المعارف، أنه اقترح توفير الإسعاف الطائر لنقل المرضى الذين لا يتحملون مشقة السفر برّاً للمناطق البعيدة نظراً لتباعد القرى عن عاصمة الولاية.

وفي عام 1953ومن حرصه على التعليم، كان أول من أدخل ابنته المدرسة، وشجع الناس على ذلك، وكان من المعروف في ذلك الوقت أن الإناث لا يتعلمن في مدارس مختلطة حتى ولو كن صغيرات، ولكنه أوضح أن التعليم أفضل لهن من أن  يتركن  فريسة للجهل،  علماً بأن ميزانية الولاية لا تسمح لبناء فصول خاصة للبنات والأولاد. وهذا يعيدنا للقول أن الدين الإسلامي لم يتعارض أبداً مع العلم والبحث العلمي، خاصة للبنات، فالوسطية  كانت منهجه رغم التزامه الديني.

وذكرت ابنته الكبرى عن مدى تشجيع أبيها لها على إكمال دراستها حتى تحصلت على شهادة المعلمات، وتزوجت، في حين كان يعاني المجتمع في ذلك الوقت من زواج الاناث المبكر.

وتضيف ابنته الوسطى ” لن أنسى دعم أبي لي حينما اخترت أن أكون طبيبة،  فكم كان سعيداً حينما تحصلت على شهادتي، وتخرجت كطبيبة نساء سنة 1981 .. أذكر أنه كان في قمة فخره وسعادته عندما يطلب الجيران والأصدقاء مساعدتي في حالات مرضهم، أو تستدعيني حالة من المستشفى،  فيقول لي: اذهبي وقومي بواجبك تجاههم.

وأضافت انه كان دائما يقول لي الولادة سكرة من سكرات الموت فهنيئاً لك الأجر يا ابنتي” وأن الطب مهنة يجب أن تشارك فيها النساء، فمثلما  يحتاج الرجل للطبيب تحتاج المرأة للطبيبة ايضا “.

وبهذا نختتم قصة علم من أعلام وطننا الغالي، حكاية حاولت أن أغطي جزءاً بسيطًا من تفاصيلها،  وأحداثها، وأبطالها أظن أن هذه القصة نفضت الغبار على تاريخ مليء بالتضحيات، والشخصيات العظيمة،  والأحداث السياسية التي كان سيتغير بها مجرى تاريخ ليبيا، ولكن هذا يعيدنا إلى أن نسأل أنفسنا: هذا ما فعله أجدادنا من أجل الوطن، فماذا فعلنا نحن ؟

المراجع

محمد بركان – مدونة عين على فزان

الصادق الشكري – موقع ليبيا المستقبل

إبراهيم السنوسي بشير زايد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق