تحقيقات استقصائية

مياه الشرب المعبأة في ليبيا

مخالفة للمواصفات القياسية .. منزوعة الأملاح وضارة بالصحة

تحقيق استقصائي للصحفي رضا فحيل البوم

أغُرقت الأسواق المحلیة في ليبيا بالعدید من العلامات التجاریة لمياه الشرب المعبأة دون الأخذ بعين الاعتبارمطابقتها للمعاییر القیاسیة، أو الالتزام بالخصائص الكیمیائیة والفیزیائیة المحددة لنوعیة وصلاحیة هذه المیاه، لذا جاء هذا التحقيق ليبحث عن مدى مطابقة مياه الشرب التي تباع في الأسواق، للمواصفات القياسية الليبية والعالمية، ومدى صالحيتها للشرب وتأثيرها على الصحة العامة.

معامل متوقفة وإمكانيات شحيحة

بدأت رحلتنا الأولى بالحرس البلدي أبوسليم الذي رتب لنا لقاء مع مدير مكتب الإصحاح البيئى بالبلدية الدكتور “محمود ساسي”  لنسأله عن جودة مياه الشرب المعبأة في البلدية.

كانت الإجابات صادمة، فمكتب الإصحاح البيئي هو المختص بمراقبة جودة مياه الشبكة العامة والآبار الخاصة، ومياه الشرب المعبأة، والقيام بالتحاليل اللازمة، لكن بسبب عدم وجود الإمكانيات من معامل تحاليل وسيارات وغيرها للقيام بهذه المهام، فإن المكتب في الوقت الحالي لا يقوم بهذا الدور بسبب شح الإمكانيات المادية حسب ما يقول الدكتور ساسي، فالمعمل الوحيد المتخصص في تحليل المياه هو مختبر “رأس حسن” وكان يتبع  لوزراة الإسكان والمرافق، ثم أصبح تابعًا لبلدية سوق الجمعة والآن مقفل لغرض الصيانة.

ويؤكد وكيل وزير وزارة الحكم المحلي للشؤون الفنية السيد “عبد البارئ شنبارو”  ما قاله ساسي بخصوص الإصحاح البيئي، والذي بحكم قانون الإدارة المحلية لسنة 2013 آلت تبعية مكاتب الإصحاح البيئة من وزارة الإسكان والمرافق، إلى إدارة الحكم المحلي، فانتقلت تلك المكاتب منذ عام 2013 إلى البلديات ووزارة الحكم المحلي.

ويُضيف شنبارو ” لكن من الناحية الإدارية لا يزال هناك تلكؤ من قبل وزارة الإسكان والمرافق، التي تعرقل نقل ملف الإصحاح البيئى لعدة أسباب، وأهمها مادية رغبة من وزارة الإسكان في الإشراف على إقفال بعض العقود السابقة.”

عميد بلدية طرابلس المركز السيد “عبد الرؤوف بيت المال” يقول ” لا يوجد مختبر تحاليل مياه في البلدية في الوقت الحالي، ولا يوجد أي معمل يمكننا الاعتماد عليه لتحليل المياه، لكن البلدية في صدد تجهيز معمل خاص بمياه الشرب سيتم تجهيزه خلال أشهر، والذي سنتابع من خلاله جودة مياه الشرب في نطاق البلدية وسنمنع بيع أي مياه تكون غير مطابقة للمواصفات القياسية”.

سالم موسى مهندس تحليل في مختبر المياه التابع للاصحاح البيئي بمدينة الزاوية يقول هو الآخر”، معاملنا الآن متوقفة، ولا توجد لدينا المواد لإجراء التحاليل المناسبة، ولا نقوم فقط إلا بحساب مجموع المواد الصلبة الذائبة الكلية “.

رحلة البحث علن المواصفة القياسية لمياه الشرب المعبأة

يقول ساسي “طالبنا عميد البلدية برسالة رسمية لمخاطبة المركز الوطني للمواصفات والمعايير القياسية، لمدنا بالمواصفات القياسية لكل المنتجات أولا بأول، وللأسف لم تصلنا من المركز إلى اليوم أي مواصفة، وكل مواصفة نتحصل عليها إما بعلاقات شخصية، أو عن طريق دفع مبلغ مادي، ونحن في مكتب الإصحاح في البلدية لا توجد لدينا الإمكانيات المادية لشراء المواصفات القياسية لكل السلع والمنتوجات (هناك أكثر من 2000 مواصفة وكل مواصفة ب 15.5 دينار ليبي). استغرب بيع المواصفة من جهة حكومية إلى جهة حكومية أخرى. وأكرر أسفي أنه لا توجد لدينا إلى الآن المواصفة القياسية الليبية لمياه الشرب.”

بدأ البحث عبر محرك قوقل Google عن المواصفة الليبية القياسية الليبية لمياه الشرب المعبأة، وبدأنا بالبحث عن المركز الوطني للمواصفات، والمعايير القياسية في ليبيا فلم نجد له موقعًا الكترونيًا لكن وجدنا صفحة على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك Facebook باسم المركز، فقمنا ببحث مستفيض في الصفحة ووجدنا المشروع المبدئي للمواصفة والذي نشر في عام 2016 وأقيمت حوله ندوة صحفية لتحديث المواصفة القياسية الليبية رقم 10 لمياه الشرب المعبأة،  والتي لم يتم تحديثها من عام 2008 وقال المركز حينها أنه سيتم اعتمادها في نهاية عام 2016.

وجدنا رقم هاتف المركز فقمنا بالاتصال، ورد علينا المدير العام للمركز الوطني للمواصفات والمعايير القياسية، الدكتور “عبدالرزاق بن جابر” ودعانا للحضور إلى المركز للحديث عن المواصفة وأخذ نسخة منها.

يقول بن جابر  “المركز تابع  لوزارة التخطيط وهو يعنى بإصدار المواصفات القياسية لكل السلع حتى الكراسات* والفراشية* الليبية، وبحكم قانون إنشاء المركز لسنة  1990 فإنه ألزم جميع الجهات في ليبيا بتطبيق المواصفات القياسية التي يصدرها أو يعتمدها المركز. المواصفة القياسية لمياه الشرب المعبأة رقم 10 صدرت في عام 2008 وقمنا بتحديثها نظرا للحاجة الملحة على ذلك وقام المركز بتشكيل لجنة من أصحاب المصلحة لمراجعة المواصفة وتحديثها تقوم بإعداد مشروع مبدئي كمسودة وقمنا بإرساله إلى الجهات ذات العلاقة”.

ويضيف بن جابر ” تم تنظيم ورشة عمل دعي فيها جميع من لهم علاقة بمياه الشرب المعباة، وأعطينا فترة للسماحية لمراجعة المواصفة، وإبداء الآراء والتعليقات حولها، ثم قامت اللجنة المشرفة بالتعديل النهائي للمواصفة لعرضها على اللجنة العليا للمركز برئاسة وزير التخطيط وثلاثة وزراء آخرين، وأربعة وكلاء وزارة، ومدير عام المركز، وأرسلنا مجموعة مواصفات إلى وزير التخطيط في بداية يناير 2019 للاعتماد والتمرير على باقي اللجنة العليا، لتصبح بعد ذلك ضمن مدونة التشريعات وتصبح سارية المفعول”.

وبخصوص تكلفة المواصفة القياسية يقول بن جابر “للمركز  مكتب توثيق يبيع المواصفات القياسية، وكل مواصفة قياسية تكلف المركز  من  10000 إلى 15000 دينارًا ليبيًا، ويقوم المركز ببيعها ب15 دينار فقط. لا توجد دول تعطي المواصفات القياسية مجانًا، في السابق كانت هناك شركات أجنبية تشتري من المركز العديد من المواصفات نظرًا لرخص ثمنها مقارنة بسعرها في بعض الدول، والتي تكلف أحيانا من 100 إلى 150 يورو للمواصفة الواحدة، أما بالنسبة للطلبة والأكاديمين فيتم منحهم المواصفة مجانًا لأغراض البحث العلمي.”

ويؤكد بن جابر أن المركز الوطني للمواصفات والمعايير القياسية، هو مركز تشريعي خاص بإصدار المواصفات القياسية، أما الجهة التي تراقب تطبيق المعايير فهي مركز الرقابة على الأغذية حسب بن جابر.

بعد لقاء مدير المركز ذهبنا إلى مكتب التوثيق لنتحصل على نسخة مجانية من المواصفة القياسية رقم 10 لسنة 2008 في صيغة الكترونية، والتي تحصلنا منها على الحدود المسموح بها لتراكيز المحتويات، والمؤشرات الكيميائية والبيولجية في مياه الشرب المعبأة.

عندما بحثنا في محرك  قوقل Google  عن المواصفات العربية القياسية لمياه الشرب المعبأة، وجدنا المواصفات القياسية للعديد من المنتجات ومنها مياه الشرب المعبأة للعديد من الدول العربية والأجنبية، والمتاحة مجانًا لمتصفحي الانترنت ودون أية رسوم .

كما وجدنا خلال بحثنا العديد من المصادر التي تتحدث عن المواصفات القياسية لمياه الشرب ومنها مصادر عديدة من منظمة الصحة العالمية وآخرها دليل صدر عام 2018 “A global overview of  national regulations and standards for drinking-water quality عن حصر ومراجعة للمواصفات القياسية لجودة مياه الشرب لحوالي 104 دولة، وليبيا لم تكن في ذلك الدليل”.

تحليل العينات

بدأت الرحلة بتجميع أربع عينات عشوائية لمياه الشرتم تسميتها (أ ،ب، ج، د)  ثم البحث عن معامل موثوق بها لتحليلها كيميائيًا، والبداية كانت من مركز بحوث في جهة عامة في طرابلس، حيث كانت الإجراءات الإدارية معقدة ولا يتم التحليل إلا برسالة رسمية من جهة العمل التي يجب أن تكون عامة.

وبعد الحصول على الرسالة الرسمية، وتسلميها لمدير المركز ظل الانتظار سيد الموقف ولم نجد إجابة، وبطريقة ودية وعن طريق أحد الموظفين العاملين هناك، استطعنا أخذ موافقة مبدئية لإجراء التحليل، وتم تسليم 4 عينات من مياه الشرب قمنا بشراؤها عشوائيًا من محل مواد غذائية، وبعد حوالي أسبوع تم إبلاغنا أن مواد التحليل غير موجودة، والتحليل متوقف حتى إشعار آخر وما علينا إلا الانتظار.

طرقنا بابًا آخر وهو المعمل المتقدم للتحاليل الكيميائية بتاجوراء، والذي يحوي مختبرًا لتحليل المياه وبمجهودات شخصية استطعنا الحصول على الموافقة على تحليل 4 عينات عشوائية من مياه الشرب المعبأة محكمة الغلق تم شراؤها من محل للمواد الغذائية، ليتم تحليلها كيميائيًا فقط دون التحليل البيولوجي الذي يعد مكلفًا جدًا رغم أهميته، تم تسليم العينات يوم الأربعاء 16 يناير 2019 وتم إبلاغنا أن نتائج التحليل ستكون في غضون أسبوع .

وبعد حوالي أسبوع وصلت نتائج التحليل الذي كان مقتصرا على خمسة خصائص كيميائية فقط لعدم توفر مواد التحليل الأخرى. كان السبب في اقتصار تحليلنا على هذه المختبرات، لأنه حسب مدير المركز الوطني للمواصفات والمعايير القياسية أن نتائج التحاليل لا تعتبر مثالية، ولا يمكن اعتبارها صحيحة إلا إذا أجريت من قبل مختبرات ذات معايير ومواصفات قياسية.

تم بعد ذلك وضع جدول للمواصفات المكتوبة على كل عبوة، ومقارنتها بالمواصفة القياسية قبل عملية التحليل وبعد عميلة التحليل.

 

جدول (1) المواصفات المكتوبة على عبوات المياه

بعد حصولنا على نتائج التحليل، قمنا بوضعها في جدول، وقمنا بحساب المتوسط ونسبة الخطأ في كل مؤشر، وكانت النتائج كما هي موضحة في الجدول التالي:

جدول (2) نتائج التحليل الكيميائي للعينات ونسبة الخطأ

ملصقات لا تعكس الحقيقة  

من خلال الجدول وجدنا أن 50% من العينات خالف المواصفة القياسية في عدم كتابة أحد المكونات الأساسية للمنتج، وهو العسر الكلي،  25% من العينات لم يكتب عليها 4 مكونات أساسية، أوجبتها المواصفة القياسية.

كما لاحظنا أن جميع العينات خالفت نتائج التحليل ما هو مكتوب على العبوة في تركيب مكون واحد على الأقل، وكانت نسبة الخطأ بين ما هو مكتوب وما هو حقيقي يتراوح بين 9% إلى 650%.

ولاحظنا أيضا أن مجموع الأملاح الذائبة الكلية في جميع العينات كان أقل من 100 وبمتوسط 63.8 ملجم/لتر، وهو في حدود المواصفة الليبية القياسية الحالية، لكنه أقل من الحد المسموح به في المواصفة القياسية الجديدة المعروضة على وزير التخطيط للاعتماد، والذي يجب أن يكون أكبر من 100 وأقل من 500 ملجم/لتر.

كانت النتائج التي تحصلنا عليها تأكيدًا لما يراه السيد “شكري أبوريانة” خبير المياه والبيئة وصاحب مختبر خاص لتحليل المياه، الذي يقول90% من الملصقات المكتوبة على القنينات، هو تضليل ولا يعكس الحقيقة، وهو غير مطابق لتحليل المياه الموجودة داخل القنينة، ولا يمكن الاعتماد عليه. والمفروض أن تكون أن لا تتجاوز نسبة الفارق بين ما هو مكتوب على القنينة وما هو حقيقي 10%”.

ويؤكد ذلك المهندس “سالم موسى” بقوله “للعلم أن المواصفات المكتوبة على أغلب مياه الشرب المعبأة تخالف التركيب الحقيقي للمياه بداخل العبوة، وكلها عمليات نسخ ولصق ولا علاقة لها بالمواصفة القياسية” .

بيانات إيضاحية مخالفة للمواصفة القياسية

قمنا أيضا بتدوين البيانات الإيضاحية المكتوبة على كل عينة من عبوات المياه، وقارنا مدى وجود كل البيانات المطلوبة في المواصفة القياسية الليبية وكانت النتائج كما هي الجدول التالي:

جدول (3) البيانات الإيضاحية المكتوبة على كل عينة

ومن خلال الجدول السابق لاحظنا أن جميع العينات خالفت المواصفة القياسية في عدم كتابة جميع البيانات الإيضاحية المطلوب كتابتها وفقًا للمواصفة، فالعينة (أ) لم يكتب عليها رقم الترخيص، والعينة (ب) لم يكتب عليها تعليمات بخصوص الحفظ في مكان جيد التهوية، وبعيد عن أشعة الشمس والعينة (ج) خلت من معلومات تتعلق بمصدر المياه وموقعه، ورقم الترخيص، وبالتالي تعتبر جميع العينات مخالفة للمواصفة للقياسية من ناحية البيانات الإيضاحية.

ويؤكد مركز الرقابة على الأغذية والأدوية أنه هو حال ما إذا كانت البيانات التوضيحية على العبوة مخالفة للمواصفة فإن العبوات تعتبر غير مطابقة ومخالفة، ويجب سحبها من السوق ولاحاجة أصلا إلى إجراء التحاليل الكيميائية والبيولوجية.

مصانع مياه غير مرخصة

خلال ندوة نظمتها الهيئة العامة للصناعة في طرابلس في أكتوبر 2016 تم الاتفاق على تكليف مراقبات الصناعة بالمناطق بحصر جميع مصانع المياه المعبأة، في إطار نطاقها الجغرافي، و إحالته للهيئة العامة للصناعة والعمل على على إقامة دورات توعوية تدريبية لموظفي الجودة بالمراقبات، ومسئولي الجودة بالمصانع والعمل على إنشاء رؤية موحدة تتبناها الجهات المختصة يتم من خلالها إنشاء مختبرات معتمدة.

مرت أكثر من سنتين على تلك الندوة وتوقعنا توفر هذه الإحصائيات لدى الجهات المختصة، فقصدنا مركز الرقابة على الأغذية والأدوية فرع طرابلس، لنتفاجأ بأن المركز لا علم له بعدد مصانع المياه في طرابلس، ولا أسمائها، ولا طاقتها الإنتاجية حسب ما يقول الدكتور “سمير الغول” رئيس قسم الرقابة الداخلية بالمركز.

الدكتور سمير الغول

يقول الغول ” عندما قمنا بجولات عشوائية لبعض المناطق في طرابلس، تفاجأنا بأنواع جديدة، وبأعداد كبيرة جدًا من مياه الشرب المعبأة، التي لم نسمع بها من قبل، واعتقد أن عدد مصانع المياه المعبأة في المنطقة الغربية فاق 100 مصنع أغلبها غير مرخص”.

ويضيف الغول ” نقوم أحيانًا بأخذ عينات عشوائية لتحليلها، أو إذا وصلتنا شكاوى من نوع معين فق، بعد أحداث ثورة فبراير 2011 لم تلتزم العديد من المصانع بالإجراءات التنظيمية، وبالتالي دخلت إلى السوق الليبي العديد من المصانع غير المسجلة وغير المرخصة. وهنا يأتي دور وزارة الاقتصاد في إمدادنا بقائمة المصانع المرخصة، وعددها وأماكنها، وللأسف لا توجد لدينا هذه القائمة “.

ويؤكد الغول أن عددصا بسيطًا من المصانع التي تتقيد بالمواصفات، وتجري تحاليل دورية لمنتجاتها، وعددها لا يتحاوز أصابع اليد، وهي معروفة شعبيًا وقد قام المركز بإجراء تحاليل لعيناتهم، وهي متوافقة مع المواصفات القياسية.

يقول “أحمد الكردي” مهندس المشروعات الصناعية ورئيس جمعية حماية المستهلك ” عدد مصانع المياه والتي قمت بحصر منتجاتها في السوق في المنطقة الغربية، خلال المدة الماضية كان 80 مصنعا والآن يزيد عن ذلك، هناك فوضى رهيبة في إنشاء هذه المصانع، أنا اقترحت أن تكون هناك خمسة جهات لابد من أن تؤخذ موافقتها قبل إنشاء أي مصنع وهي الهيئة العامة للمياه، والهيئة العامة للبيئة والمركز الوطني للمواصفات، ومركز الرقابة على الأغذية والإصحاح البيئي وليس فقط الحرس البلدي”

من جهته يقول السيد شكري أبوريانة لا تستطيع اللوم على أصحاب السوق لأنه لا يوجد تشريع قانوني بإصدار الرخصة، هناك مواصفة قياسية لإنشاء مصنع مياه الشرب المعبأة، أغلب المصانع في ليبيا  لا تتبع هذه المواصفة، وهناك فوضى عارمة فالعديد من الجهات تعطي تراخيص لإنشاء مصانع مياه دون الرجوع للمواصفة القياسية، التقينا مع الجهات المسؤولة عن هذه التراخيص، ولم نتحصل منهم على عدد مصانع المياه، والتي عددها يزيد عن 100 مصنع في المنطقة الغربية”.

ويؤكد السيد سالم موسى بأنه بالرغم من اشتراط مراقبة الصناعة بوزارة الاقتصاد على أصحاب مصانع المياه أخذ موافقة بيئية قبل الحصول على الترخيص، إلا أن العديد منها يعمل الآن دون هذا الترخيص ودون الموافقة البيئية.

المذاق هو المعيار لمياه الشرب

علاء رحومة صاحب محل مواد غذائية في منطقة مشروع الهضبة يقول ” ما يقارب من 30 % من مبيعات المحل اليومية هي من مياه الشرب المعبأة، أبيع ثلاثة أو أربعة أنواع من مياه الشرب التي اعتقد أنها جيدة عن طريق مذاقها، فالمذاق العذب هو المعيار الوحيد بالنسبة لي وللزبائن، مياه النبع 500 مل تباع بدينار، بينما تباع باقي الأصناف بنص دينار “.

ويضيف رحومة ” أنا كصاحب محل أعمل على رغبة الزبون، فإذا وصلتني شكوى من زبائن أن مياه ما غير جيدة، أتوقف عن بيعها، واستمر في بيع المياه التي يعتقد الزبائن بأنها جيدة من حيث المذاق، لا علم لي بالمواصفات القياسية ولا شروط التراخيص ولا ما هي أنواع المياه الشرب المرخصة من الدولة”.

ويوافق محمد سليمان صاحب محل مواد غذائية في منطقة قرجي بالعاصمة طرابلس، ما يراه رحومة حيث يقول “أبيع المياه المعبأة وفقًا لرغبة الزيون والأكثر شعبية، المياه ذات المذاق العذب هي الأكثر شعبية وهي التي نقوم ببيعها “.

بينما يعتقد الدكتور سمير الغول، على انعدام ثقافة أصحاب المحلات في التقيد ببيع الأنواع المرخصة من مياه الشرب المعباة، يقول سليمان ” لا أعرف مصدر المياه ولم أركز يومًا في البيانات التوضيحية المكتوبة على كل قنينة، ولا أعرف أيًا من هذه المنتجات مطابقا للمواصفات القياسية أم لا، لم اقرأ أي دليل إرشادي بخصوص المياه، ولم تزرنا أي جهة رقابية بخصوصها”.

ويشدد الدكتور “إسماعيل العكش” أستاذ الكيمياء وعميد كلية الصيدلة بجامعة الزاوية، على قوله بأن الناس في ليبيا  يعتقدون أن المياه ذات المذاق العذب هي المياه الجيدة والصالحة للشرب، وهذا يخالف الحقيقة الطبية حيث أن النقص في بعض العناصر أو زيادتها قد يؤدي إلى مشاكل صحية كما أن تلوثها بالميكروبات، قد يؤدي إلى أمراض عديدة.

مياه منزوعة الأملاح   

يعلق السيد “أحمد الكردي” على متوسط مجموع الأملاح الذائبة الذي ظهر في نتائج تحاليلنا قائلاً ” متوسط  63 ملجم/لتر يعني أنها مياه شبه مقطرة، وهي مضرة بالصحة، وقد أكدت على ذلك في عدة مناسبات، فهذه المياه تحتوي على نسب قليلة من الكالسيوم والماغنسيوم والصوديوم والأملاح الضرورية، ونقصها له تأثير على الصحة، نقص الكالسيوم على الأطفال له تأثير كبير خاصة في هشاشة العظام”.

ويضيف الكردي ” لقد قمت بإجراء دراسة على مجموعة من عبوات مياه الشرب الأكثر شعبية وقارنتها بمياه الشرب في تونس والجزائر ومصر ووجدت فروقات كبيرة، فمجموع المواد الصلبة الذائبة وجدتها أقل من 100 ملجم/لتر ، كيف يكون هذا ونحن من أفقر دول العالم في المياه، في تونس مياه الشرب المعبأة والتي تباع في الأسواق تحوي على مجموع المواد الصلبة يصل إلى 700 ملجم/لتر وهي الدولة التي تحوي وديانا مياه جوفية وأحرص منا في المياه، الغريب في الأمر أن هذه الشركات تكتب على عبواتها غنية بالأملاح، هذا يعد غشًا”.

يقول الكردي ” أغلب المياه المتداولة في بلادنا تعتبر إلى حد كبير جدًا منزوعة الأملاح، والتي تلعب دورًا مهما في تعويض الفاقد نتيجة فقر الأغذية التي يتناولها الشخص بالأملاح، وخاصة الأطفال والرياضيين، ومن عيوب المواصفة الليبية القياسية عدم وجود حدود دنيا للأملاح الذائبة، الحد الأدنى في المواصفة الجديدة هو 100 وهو لا يعني شيئًا، فما الفرق بين 100 و70 ؟ كان الأولى أن يكون الحد الأدنى على الأقل 250، طالبت بتعديل المواصفة القياسية ومراعاة الظروف الخاصة في ليبيا من حيث ندرة المياه “.

ويرد شكري أبوريانة أحد أعضاء لجنة المواصفة القياسية الجديدة العالم لم يضع حدًا أدنى للعديد من العناصر في مياه الشرب، وبالتالي لم نضع في المواصفة الليبية حدودًا دنيا “.

ويقول السيد أبو ريانة ” نقص الأملاح الذائبة في مياه الشرب، يؤثر على النشاط، وبالتالي تكون المياه غير مغذية، بيع مثل هذه المياه هو تضليل للمستهلك، وهو مثل شرب مياه الأمطار التي لا تشعرك بالارتواء لاحتوائها على نسبة بسيطة من الأملاح الذائبة تتراوح بين 50-70 ملجم/لتر.”

ويؤكد المهندس “سالم موسى” أن العديد من مياه الشرب التي تباع في ليبيا، تكون فيها مجموع الأملاح الذائبة أقل 100 ملجم/لتر أي أنها أشبه بالمياه المقطرة، معللاً اتجاه الكثير من الناس إلى عدم تفضيل شرب هذه المياه حيث يعتبرونها ناقصة الأملاح الضرورية للجسم.

مياه ضارة بالصحة

يرى مختصون أن أهمية المياه الصالحة للشرب تكمن في وجود حد أدنى يجب أن لا تقل عنه تركيز مجموع الأملاح الذائبة الكلية، وبالتالي يصبح الماء غير صالح للشرب، وتكون مضاره أكثر من منافعه، وكحد أقصى يجب أن لا تتجازوه تلك الأملاح حتى لا تصبح ضارة لجسم الانسان، ولا يستطيع تقبلها ولا يشعر بالارتواء منها.

وفي هذا الصدد يشدد الدكتور “عبد المنعم الجدي” أخصائي أمراض النساء والولادة بمستشفى الجلاء بطرابلس، على أن نقص العناصر الموجودة في مياه الشرب مثل الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والماغنسيوم، يؤثر على صحة الإنسان وخاصة النساء الحوامل اللاتي يحتجن لهذه العناصر الضرورية بنسب محددة، وبالتالي فإن مياه الشرب الخالية من هذه  العناصر أو تحتوي على نسب بسيطة جدًا، هي ضار بالصحة ولها تأثيرات سلبية.

ويرى د. هاشم بلخير، إخصائي أمراض حساسية الصدر في مستشفى أبو ستة بطرابلس أن مياه الشرب التي تحتوي على نسب بسيطة جدا من الصوديوم أو البوتاسيوم أو الكالسيوم أو الماغنسيوم تعد أشبه بالمياه المقطرة التي لا تحتوي على الأملاح الضرورية التي تفيد جسم الإنسان ومع مرور الزمن يمكن أن تؤذي الانسان  وتؤدي أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والسكتة القلبية والشيخوخة المبكرة وهشاشة العظام.

وقد كشفت أوراق بحثية علمية قدمت في مؤتمر ليبيا الأول للمياه والذي عقد في طرابلس في أبريل 2018 أن الانخفاض الشديد في تركيز عناصر مثل الماغنيسيوم والكالسيوم، قد يكون له تأثير مباشر على تركيب النسيج العظمي وكثافته، وعلى العديد من العمليات الفسيولوجية، مثل انتقال الإشارات العصبية وانقباض العضلات.

تفعيل الحرس البلدي

بالرغم من أن جهاز الحرس البلدي قام في الفترة الأخيرة بالعديد من حملات التفتيش على المحلات والمخابز والمصانع، وقام بإقفال العديد منها، وسحب العديد من المنتجات لمخالفتها للمواصفات القياسية، إلا أنه لم يكن هناك أي حملة توعية بخصوص مياه الشرب المعبأة، ولم نسمع بضبط مصنع مخالف أو غير مرخص، أو منتجًا مخالفًا للمواصفات القياسية.

يقول عميد بلدية طرابلس المركز عبد الرؤوف بيت المال “الدولة لم تدعم البلدية بأي شكل من الأشكال، والبلدية بدأت أعمالها من الصفر، ولن أتفاجأ أن تكون مياه الشرب التي تباع في ليبيا غير مطابقة للمواصفات، فالفوضى ضاربة أطنابها ولا توجد دولة، لكننا نحاول قدر المستطاع، فبلدية طرابلس المركز هي من قام بتفعيل عمل الحرس البلدي إلى حد كبير، وليس وزارة الحكم المحلي، ولا جهاز الحرس البلدي ومن ثم انطلق في كل مناطق ليبيا”.

أما الدكتور سمير الغول فيقول ” إذا وجدنا أن مصنعًا ما قام بمخالفة المواصفات القياسية، فإننا نوجه رسالة إلى الحرس البلدي الذي يقوم بدوره في اتخاذ الاجراءات ضد المصنع المخالف. لم يحدث في الفترة القليلة السابقة اكتشاف أي مخالفة ماعدا مخالفة واحدة تم اكتشافها في مياه رويال، وتم إيقاف الكمية وتحذير المصنع الذي قام بحل مشاكله التقنية”

يقول السيد عبد الباري شنبارو ” من المفترض أن يكون هناك عضو من وزارة الحكم المحلي من خلال مكاتب الإصحاح البيئي، وجهاز الحرس البلدي، لكن للأسف الجهاز لم ينل الدعم أسوة بباقي الأجهزة الضبطية، سواء من ناحية المعامل أو السيارات أو غير ها من الإمكانيات “.

رضا فحيل البوم يحاور وكيل وزارة الحكم المحلي

ويضيف شنبارو ” نحن في وزارة الحكم المحلي، وفي غياب وشح الميزانيات، اتجهنا إلى تفعيل معاهدة قديمة بين ليبيا وإيطاليا، أبرمت في عام 2010 وانتهت في عام 2012 واجتمعنا قبل أسبوعين مع القائم بالإعمال الايطالي لمناقشة الموضوع، ونحن الآن عاكفون على مراجعة المعاهدة، وتفعيلها من جديد والتي سيكون من ضمنها تدريب العناصرالقيادية في مجال التفتيش الصحي والغذائي، من الإصحاح البيئي والحرس البلدي، وكذلك معدات تفتيش حديثة تتمثل في معامل متنقلة، وهي عبارة عن أقلام الكترونية تكشف على وجه السرعة أي تلوث في المياه أو الأغذية أو اللحوم والخضروات وغيرها من المواد الاستهلاكية”

ويقول السيد أحمد الكردي أن الهيئة العامة للموادر المائية، تستعد في المدة القادمة لإعداد منشور تلزم فيه جميع مصانع مياه الشرب للتسجيل في الهيئة وإحضار ملف كامل، وستتولى الهيئة الإشراف والمتابعة وإدارة هذا الملف بشكل كامل.

بعد كل ما ورد في التقرير، وجدنا أن أن التخبط في إدارة الدولة وعدم اهتمامها في دعم الأجهزة المعنية بمراقبة جودة مياه الشرب، أدى إلى توقف المختبرات وعدم تحديث المواصفة القياسية الليبية القديمة، وانتشار لمصانع مياه الشرب غير المرخصة، وامتلاء الأسواق المحلية بمياه مخالفة للمواصفات القياسية الليبية والعالمية ولها أضرار على الصحة.

الملاحق

المواصفة القياسية الليبية رقم 10 لمياه الشرب المعبأة لسنة 2008 ومتوسط المواصفة الدولية لعام 2018

يجب ألا يزيد تركيز المحتويات والمؤشرات الكيميائية في المياه المعبأة على الحدود التالية:

وألزمت المواصفة كتابة بيانات إيضاحية على كل عبوة ویدون بخط واضح البیانات التالیة:

  • اسم المنتج وموقع مصدر المياه.
  • رقم الترخيص والجهة الصادر عنها
  • اسم وعنوان الجهة المصنعة
  • حجم العبوة باللتر
  • تاریخ الإنتاج وانتھاء الصلاحیة بالیوم والشھر والسنة وبطریق غير رمزية
  • كتابة نوعية خامة القنينة والغطاء أو العلامة الدالة على ذلك
  • قائمة بمكونات المنتج من العناصر الأساسیة غیر العضویة وفق التالي:
  • الأس الھیدروجیني
  • مجموع المواد الصلبة الذائبة (ملجم/ لتر)
  • العسر الكلي ككربونات كالسیوم (ملجم/ لتر)
  • الصودیوم (ملجم/ لتر)
  • البیكربونات (ملجم/ لتر).
  • الكبریتات (ملجم/ لتر)
  • في حالة المیاه المعالجة یدون على البطاقة طرق المعالجة
  • توضع على العبوة علامة أصدقاء البیئة
  • في حالة المياه المعبأة المضاف إليها الفلوريد، يدون على البطاقة عبارة (مياه مضاف إليها فلوريد) مع توضيح محتواها ب (ملجم/ لتر)
  • یكتب على العبوة یحفظ المنتج في مكان جید التھویة وبعیدًا عن أشعة الشمس المباشرة ومصادر التلوث.
اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. السلام عليكم
    يوجد جدول رقم 5 في المواصفة الليبية الخاصة بمياه الشرب المعبأة” مياه المائدة” خاص بمتبقيات المبيدات في المياه وهذا البند لا يتم اختباره على الإطلاق ويتم اعطاء شهادة من مركز المواصفات لبعض المصانع بأن مياههم مطابقة للمواصفات الليبية زورا وبهتانا وبالمخالفة للقانون بحجة الظروف الأمنية التي تمر بها البلاد وعدم وجود معامل في ليبيا لإجراء هذا الإختبار .
    أيضا تقوم الشركات المتحصلة على علامة الجودة الليبية ” الصح” بوضع العلامة في دعاياتهم ليوهوموا المستهلك بأن كل منتجاتهم مطابقة للمواصفات وهذا خطأ و خداع للمستهلك حيث تعطى العلامة للمنتج وليس للشركة بحيث لو ان المنتج تم سحب العلامة منه لا يتم وضعها على هذا المنتج وتستمر باقي المنتجات الأخرى للشركة بحمل العلامة .
    أيضا منظمة الرقيب لحماية المستهلك تشارك في هذا الخطأ أيضا وهو يعتبر خداع للمستهلك حيث تقوم بإعطاء علامة للشركات التي تحمل علامة الصح بحجة انها مطابقة للمواصفات دون اي تدقيق منهم لذلك بل يتعدى الأمر ان بعض الشركات لا تحمل علامة الجودة الليبية وتعطى لها علامة منظمة الرقيب لحماية المستهل و هذه جريمة وخداع للمستهلك من منظمة اهلية يفترض انها تدافع عن المستهلك لا ان تشارك في خداعه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق